أحمد مطلوب

41

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

المقصود بما يدفعه » « 1 » . فالاحتراس عند هؤلاء هو التكميل ، ولكنّ ابن مالك أفرد التكميل بفن آخر وعرّفه بقوله : « التكميل أن تأتي في شيء من الفنون بكلام فتراه ناقصا لكونه مدخولا بعيب من جهة دلالة مفهومه فتكمله بجملة ترفع عنه النقص . مثل أن تجيد مدح رب السيف بالكرم دون الشجاعة أو رب القلم بالبلاغة دون سداد الرأي ونفاذ العزم فتراه ناقصا فتذكر معه كلاما يكمل المدح ويرفع ايهام الذم » « 2 » . وفرّق المصري بين الاحتراس والتكميل والتتميم فقال : « إن المعنى قبل التكميل صحيح تام ثم يأتي التكميل بزيادة يكمل بها حسنه إما بفن زائد أو بمعنى . والتتميم يأتي ليتمم نقص المعنى ونقص الوزن معا ، والاحتراس لاحتمال دخل على المعنى وإن كان تاما كاملا ووزن الكلام صحيحا . وقد جعل ابن رشيق الاحتراس نوعا من التتميم وسوّى بينهما ، وقد ظهر الفرق بينهما فجعلهما في باب واحد غير سائغ » « 3 » . وفرّق بينه وبين المواربة فقال : « والفرق بينه وبين المواربة - بالراء المهملة - أيضا ، أنّ الاحتراس يؤتى به وقت العمل عندما يتفطن المتكلم لموضع الدّخل ، والمواربة يؤتى بها وقت العمل وبعد صيرورة الكلام . والمواربة - بالراء المهملة - تكون بالتصحيف والتحريف واهتدام الكلمة والزيادة والنقص ، والاحتراس بزيادة الجمل المفيدة المتضمنة معنى الانفصال عمّا يحتمله الكلام من الدخل ، والمواربة تكون في نفس الكلام وتكون منفصلة عنه . والاحتراس لا يكون إلا في نفس الكلام » . ثم فرّق بينه وبين المناقضة والانفصال فقال : « إنّ الاحتراس هو ما فطن له الشاعر أو الناثر وقت العمل فاحترس منه . والانفصال ما لم يفطن له حتى يدخل عليه ، فيأتي بجملة من الكلام أو بيت من الشعر ينفصل به عنه ذلك الدخل » « 4 » . والأمثلة التي ذكرها معظم البلاغيين واحدة ، وقد اتفقوا على تسمية هذا الفن احتراسا - ما عدا بعضهم - وفرقوا بينه وبين التكميل والتتميم . ومن أمثلة هذا الفن في الكتاب العزيز قوله تعالى : وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 5 » فإنه - تعالى - لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعلم أنّ جميعهم كان مستحقا للعذاب احتراسا من ضعيف يتوهم أنّ الهلاك ربما شمل من لا يستحق العذاب ، فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم وحلّ بساحتهم وظهر من ذلك صدق وعده لنبيه نوح - عليه السّلام - وأعلمنا أنه قد أنجزه وعده الذي قال فيه : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ « 6 » . ومن ذلك قول الخنساء : ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي ثم تخيّلت أنّ قائلا قال لها : لقد ساويت أخاك بالهالكين من إخوان الناس فكيف أفرطت في الجزع عليه دونهم ؟ فاحترست من ذلك بقولها : وما يبكون مثل أخي ولكن * أعزّي النفس عنه بالتأسي وقول الفرزدق :

--> ( 1 ) الايضاح ص 202 ، التلخيص ص 229 ، شروح التلخيص ج 3 ص 231 ، المطول ص 295 ، الأطول ج 2 ص 46 ، الاتقان ج 2 ص 74 ، شرح عقود الجمان ص 75 ، نفحات ص 172 ، شرح الكافية ص 316 . ( 2 ) المصباح 98 . ( 3 ) تحرير التحبير ص 245 ، وينظر خزانة الأدب ص 458 . ( 4 ) تحرير التحبير ص 245 . ( 5 ) هود 44 . ( 6 ) هود 37 .